ابراهيم بن عمر البقاعي
486
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
الباقون بغاية الرغبة ، ومنه دار الندوة ، أو يكون المعنى أن المؤذن كلم المسلمين برفع صوته كلام من هو معهم في الندى بالقول فأجابوه بالفعل ، فكان ذلك مناداة - هذا أصله ، فعبر بالغاية التي يكون الاجتماع بها فقال مضمنا له الانتهاء : إِلَى الصَّلاةِ أي التي هي أعظم دعائم الدين ، وموصل إلى الملك العظيم ، وعاصم بحبله المتين اتَّخَذُوها على ما لها من العظمة والجد والبعد من الهزء بغاية هممهم وعزائمهم هُزُواً وَلَعِباً فيتعمدون الضحك والسخرية ويقولون : صاحوا كصياح العير - ونحو هذا ، وبين سبحانه أن سبب ذلك عدم انتفاعهم بعقولهم فكأنهم لا عقول لهم ، وذلك لأن تأملها - في التطهر لها وحسن حال فاعلها عند التلبس بها من التخلي عن الدنيا جملة والإقبال على الحضرة الإلهية ، والتحلي بالقراءة لأعظم الكلام ، والتخشع والتخضع لملك الملوك الذي لم تخف عظمته على أحد ، ولا نازع قط في كبريائه وقدرته منازع - بمجرده كاف في اعتقاد حسنها وجلالها وهيبتها وكمالها فقال : ذلِكَ أي الأمر العظيم الشناعة بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ وإن كانوا أقوياء لهم قدرة على القيام في الأمور لا يَعْقِلُونَ * أي ليست لهم هذه الحقيقة ، ولو كان لهم شيء من عقل لعلموا أن النداء بالفم أحسن من التبويق وضرب الناقوس بشيء لا يقاس ، وأن التذلل بين يدي اللّه بالصلاة أمر لا شيء أحسن منه بوجه ، وللأذان من الأسرار ما تعجز عنه الأفكار ، منه أنه جعل تسع عشرة كلمة ، ليكف اللّه به عن قائله خزنة النار التسعة عشر ، وجعلت الإقامة إحدى عشرة كلمة رجاء أن يكون معتقدها رفيقا لأحد عشر : العشرة المشهود لهم بالجنة ، وقطبهم وقطب الوجود كله النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، وناهيك أن من أسراره أنه جمع الدين كله أصولا وفروعا - كما بينت ذلك في كتابي « الإيذان بفتح أسرار التشهد والأذان » . [ سورة المائدة ( 5 ) : الآيات 59 إلى 60 ] قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلاَّ أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فاسِقُونَ ( 59 ) قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُولئِكَ شَرٌّ مَكاناً وَأَضَلُّ عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ ( 60 ) ولما كانت النفوس نزاعة إلى الهوى ، عمية عن المصالح ، جامحة عن الدواء بما وقفت عنده من النظر إلى زينة الحياة الدنيا ، وكان الدليل على سلب العقل عن أهل الكتاب دليلا على العرب بطريق الأولى ، وكان أهل الكتاب لكونهم أهل علم لا ينهض بمحاجتهم إلا الأفراد من خلص العباد ، قال تعالى دالا على ما ختم به الآية من عدم عقلهم آمرا لأعظم خلقه بتبكيتهم وتوبيخهم وتقريعهم : قُلْ وأنزلهم بمحل البعد فقال مبكتا لهم بكون العلم لم يمنعهم عن الباطل : يا أَهْلَ الْكِتابِ أي من اليهود والنصارى هَلْ تَنْقِمُونَ أي تنكرون وتكرهون وتعيبون مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا أي أوجدنا